السيد كمال الحيدري

113

فلسفة الدين (مدخل لدراسة منشأ الحاجة إلى الدين وتكامل الشرائع)

النزاع فيها في الأجيال القادمة . فقبل وجود هذه الحاجة لم يكن أىّ نزاع واختلاف ، إذاً كلّما ازدادت حاجة الناس إلى هذه المسائل تعقّدت المسائل الاجتماعية ، وكلّما تعقّدت المسائل الاجتماعية احتاجت إلى قوانين أكثر وأدقّ لتنظيم الحياة الاجتماعية ، لرفع التنازع والاختلاف بين أبناء البشر . فهنالك تناسب طردىّ بين تعقّد الحياة الاجتماعية وبين الحاجة إلى الدين وإلى قانون لرفع النزاع الموجود في الحياة الاجتماعية « 1 » . فالدليل الثاني يبيّن لنا أنّ هنالك علاقة طرديّة بين تعقيد الحياة الاجتماعية وبين الحاجة إلى الدين ، وكلّما كانت العلاقات الاجتماعية أوسع وأعقد وأدقّ كانت الحاجة إلى الدين أكثر . وعندئذ يتبيّن وجود قانون آخر وهو : كلّما كان الإنسان أكثر بدائية وأقلّ رشداً نضجاً وأقلّ تسخيراً للإمكانات الطبيعية ، كان الدين الذي يحتاج إليه من حيث الشمول والعمق والجامعية أقلّ ، لكن لما تعقّدت الحياة كان الاحتياج إلى دين أكثر عمقاً وأكثر شمولًا وأكثر جامعية حتى يستطيع أن يجيب على كلّ متطلّبات الحياة . وعلى هذا الأساس تكون شريعة خاتم الأنبياء أكمل وأشمل وأعقد بالنسبة للشرائع والرسالات السماوية السابقة ، كما سيأتي تفصيله .

--> ( 1 ) في هذا الضوء يمكننا أن نفسّر الروايات التي تشير إلى أنه كلّما مرّ الزمان ازدادت حاجة الناس إلى الإمام ؛ لأنّ الإنسان في تطوّر مستمرّ ، وكلّما تطوّر أكثر تعقّدت حياته الاجتماعية أكثر ، وكلّما تعقدت الحياة الاجتماعية كان الاحتياج إلى الدين أكثر ؛ ولذا نجد الجميع ينتظر المنجى والمنقذ والمصلح ؛ لأنّ الحياة والتجارب أثبتت عدم قدرة البشر على إنقاذ أنفسهم من هذه التعقيدات والنزاعات ، فالجميع ينتظر المنجى ليملأها عدلًا وقسطاً بعد ما ملئت ظلماً وجوراً .